حيدر حب الله
61
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وهذه المناقشة الثانية مبنائيّة لمن ثبت عنده الاستدلال بالقرآن والحديث على جواز النقل بالمعنى ، فيستعين بذلك هنا ليرفع عنوان الكذب والخيانة ، لا ليرفع حكمهما فقط عند الضرورة ، أمّا من يقول بحرمة النقل بالمعنى ولا يرى ثبوت هذين الدليلين على الجواز ، فمن الصعب أن نقول له هذه المناقشة الثانية ؛ لأنّ موضوعها غير متحقّق في حقّه . 2 - 3 - 2 - إشكاليّة تعريض الحديث الشريف لخطر الزوال أو الوهن الدليل الثاني : حيث كان المنقول عنهم هم الرسول وأهل بيته والصحابة ، بحيث كانوا فصيحين بليغين في كلماتهم ، فإن النقل بالمعنى فيه خوف عدم فهم الراوي للمضمون تماماً أو عدم قدرته على تأدية المعنى بشكل صحيح كما أدّاه النصّ الأصلي ، من هنا يحكم - تحفظاً على مصالح الدين وعدم حصول تحريف أو خلل أو خطأ في نقل الدين - بلزوم الاقتصار على النصّ اللفظي الحرفي ؛ لخطورة الموقف وحساسيته ، لا سيما وأنّه عندما تكثر سلسلة السند وكلّ واحد يبدل كلمةً ، فإنّه يخشى من زوال الحديث بعد تناقله ، فضلًا عن أنّ الرواة ليسوا في العلم سواء ، فلو أعطيناهم هذا الحقّ لغيّروا فيما حقّه عدم التغيير ، ولحذفوا ما ظنّوه غير مهم وهكذا « 1 » . ولعلّ هذا هو مرجع الحديث النبويّ المتقدّم من أنّ الأفضل هو النقل كما سمع ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، من حيث إنّ الناقل قد لا يكون فقيهاً فلو لم ينقل باللفظ أمكن أن يغيّب بعض ما لو سمعه الفقيه المنقول إليه لفهم منه دلالاتٍ ومعان . وينقل الفخر الرازي صورة هذه المقاربة المانعة على الشكل الآتي : « لما جرّبنا رأينا أنّ المتأخّر ربما استنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبّه له أهل الأعصار السالفة من العلماء والمحقّقين ، فعلمنا أنّه لا يجب في كلّ ما كان من فوائد اللفظ أن يتنبّه له السامع في الحال ،
--> ( 1 ) انظر روح هذه الوجوه في : السرخسي ، أصول الفقه 1 : 355 ؛ والفصول الغرويّة : 308 ؛ ومناهج المحدثين : 66 - 69 .